فصل: مسألة الوصيفة تكون للرجل وأبوها حر فيتركها السيد عند أبيها حتى تكبر ثم يريد أخذها:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة قال أستأجرك بدينار على أن تذهب إلى إفريقية تبيع دابتي هذه:

قلت: أرأيت إن قال: أستأجرك بدينار على أن تذهب إلى إفريقية تبيع دابتي هذه، أو ثيابي، أو رقيقي، فقال: إن كان استأجره على أنها إن هلكت أو ذهب الثوب انفسخ الكراء بينهما، فلا خير فيه، وإن كان إن تلف هذا كان عليه أن يسيره في مثله، وإن هلكت الدابة أخلف له مكانها أخرى، وكان ذلك إلى أجل معلوم، فلا بأس به.
قال ابن القاسم في الرجل يستأجر الأجير يعمل له سنة على دابة بعينها. قال: لا خير فيه، إلا أن يكون إن نفقت الدابة أخلف له مكانها أخرى. قلت له: أرأيت الرجل يتكارى الدابة بعينها إلى المكان؟ قال: لا بأس بذلك. قلت: أرأيت إن هلكت الدابة؟ قال: يرجع على صاحبه بما بقي من الطريق، فيأخذ حصته من ذلك من الكراء. وكذلك إن استأجر الخادم تخدمه سنة، فتموت هو مثل الدابة. قلت: فما فرق بين هذا وبين الأول؟ قال: لأن هذا إنما هلك الذي استأجر بعينه، والأول إنما هلك غير المستأجر، وغير المستأجر يقول: إنما هلك ثوب لم أكركه، أو دابة لم أكركها؛ وهاهنا إنما هلكت الدابة بعينها والغلام بعينه، فكل إجارة تكون إذا مات غير المستأجر أو المواجر انفسخت، فلا خير فيها.
قال محمد بن رشد: الاستئجار على الأعمال في الأشياء المعينات تنقسم على أربعة أقسام:
أحدها: أن يستأجره على عمل في شيء بعينه، لا غاية له إلا بضرب الأجل فيه، وذلك مثل أن يستأجره على أن يرعى له غنما بأعيانها، أو يتجر له في مال بعينه شهرا أو سنة، وما أشبه ذلك، فهذا اختلف في حد جواز الإجارة فيه، فقيل: إنها لا تجوز إلا بشرط الخلف، وهو مذهب ابن القاسم، وروايته عن مالك في المدونة وغيرها، وقيل: إنها تجوز بغير شرط الخلف، والحكم يوجب الخلف، وهو قول سحنون، وابن حبيب، وأشهب في رسم البيوع والصرف، من سماع أصبغ. فهذا حكم هذا الوجه، إلا في أربع مسائل؛ فإن الإجارة تنفسخ فيها بموت المستأجر له؛ أحدها: موت الصبي المستأجر على رضاعه. والثانية: موت الصبي المستأجر على تعليمه. والثالث: موت الدابة المستأجر على رياضتها. والرابعة: من استأجر رجلا على أن ينزي له أكواما معروفة على رمكته، فتعق الرمكة قبل تمام الأكوام؛ فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي منها، ولا يقال للمستأجر: جئني بمثل الرمكة؛ لما بقي من الأكوام.
والثاني: أن يستأجره على عمل شيء بعينه لا غاية له إلا بتسمية الموضع، وهو الاستئجار على حمل شيء بعينه، فهذا الاختلاف في جواز الإجارة فيه، وإن لم يشترط الخلف، واختلف إن تلف على ثلاثة أقوال قد مضى تحصيلها في رسم طلق، من سماع ابن القاسم، المشهور منها: أن الحكم يوجب الخلف، ولا تنتقض الإجارة حسبما ذكرناه في المسألة التي قبل هذه.
والثالث: أن يستأجره على عمل شيء بعينه له غاية مجهولة، فلابد فيه من ضرب الأجل. وذلك مثل أن يستأجره على أن يبيع له هذا العبد، أو هذا الثوب، أو هذه الأثواب في هذا الشهر في ذلك البلد، أو بلد آخر بثمن سماه أو بما رآه، فهذا قال فيه في هذه الرواية: إنه إن استأجره على أنه إن تلف العبد أو الثوب انفسخت الإجارة لم يجز، وإن استأجره على أنه إن تلف العبد أو الثوب كان عليه الخلف جاز.
وسكت عن حكم الإجارة إن وقعت مبهمة، والظاهر من مذهبه في المدونة جواز الإجارة ووجوب الخلف، والذي يأتي فيها على قياس قوله في الاستئجار على رعي غنم بأعيانها أن الإجارة لا تجوز إلا بشرط الخلف، فإن باع العبد أو الثوب قبل تمام الأجل انفسخت الإجارة فيما بقي من الشهر، وكان له من إجارته بحساب ما مضى منه. هذا قوله في المدونة، والنقد في هذه الإجارة بشرط لا يجوز، والذي يأتي على مذهب سحنون في هذه المسألة أن الإجارة لا تنفسخ فيما بقي من المدة، ويستعمله بقية الشهر فيما يشبه ذلك من العمل، فإن اشترط أن تنفسخ الإجارة فيما بقي من الشهر إن باع قبل تمامه لم يجز عنده، وإن لم ينقد على ما قاله في الرجل يكتري الدابة في حاجة إلى بلد، ويشترط إن وجد حاجته في الطريق رجع، وكان عليه بحساب ما مضى من الكراء.
ولو استأجره على أن يبيع له الدابة أو الثوب بذلك البلد أو ببلد آخر على أن له أجرته باع أو لم يبع لجاز، وإن لم يسم للتسويق والبيع أجلا؛ لأن قدر ذلك معروف، قاله أشهب في آخر أول رسم من سماع أصبغ، وقد مضى هذا المعنى في أول رسم من سماع ابن القاسم، وهو نحو ما يأتي في سماع محمد بن خالد.
والرابع: أن يستأجره على عمل شيء بعينه له غاية معلومة، فلا يجوز ضرب الأجل فيه؛ لأنه مدتان في مدة، ويضارع ما نهي عنه من بيعتين في بيعة إلا على وجه ما قد مضى بيانه في أول سماع ابن القاسم. وذلك مثل أن يستأجره على خياطة ثوب بعينه، أو على طحن قمح بعينه، أو على حصاد زرع بعينه وما أشبه ذلك.
فهذا الاختلاف في جواز الإجارة فيه دون شرط الخلف، وإن تلف قبل العمل أو بعد أن مضى بعضه، فالمشهور في المذهب أن الإجارة تنفسخ فيه، أو فيما بقي منه، وهو قول مالك في رسم المحرم، من سماع ابن القاسم، وفي رسم الدور والمزارع من سماع يحيى في مسألة الزرع أن الإجارة لا تنفسخ ويستعمله في مثله، وهو شذوذ. والنقد في هذه الإجارة جائز؛ لأن التلف نادر فلا يعتبر به، وأما من استأجر عبدا بعينه، أو تكارى دابة بعينها، أو ثوبا بعينه، وما أشبه ذلك، فلا اختلاف في أن الإجارة تنفسخ بالموت والتلف، والنقد فيها جائز، فهذا تحصيل القول في هذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة قال جذ نخلي هذه ومتى شئت أن تخرج فاخرج ولك نصف ما عملت:

قلت: أرأيت إن قال: جذ نخلي هذه يوما أو يومين، ومتى شئت أن تخرج فاخرج ولك نصف ما عملت. قال: لا خير فيه. قلت: لم؟ قال: لأنهما سميا يوما، ثم جعل له الخروج متى شاء، فكان الأجر قد وقع على اليوم بعينه، فإذا وقع على اليوم بعينه لم يحل إلا بشيء ثابت لا يزول. ألا ترى أنه لو قال: تقاض لي مالي الذي لي على فلان إلى شهر ولك نصفه، فما تقاضيت منه فبحسابه لم يصلح. أرأيت أنه لم يتقاضه إلى رأس الشهر، وهو متى شاء أن يخرج خرج، أليس يبطل عمله ويذهب عناؤه، ولعله أن يكون قد أشفى عليه، فإذا ضرب له أجلا فلا خير فيه، وإن لم يضرب له أجلا فإنما هو جعل، وليس بأجر، فمن قبل ذلك جاز؛ لأنه ليس لرب المال أن يمنع العامل العمل فيه، وللعامل أن يخرج متى شاء، والمستأجر ليس للذي استؤجر أن يخرج، وليس له إن انقضى الشهر أن يعمل فيه، فيكون العمل قد ذهب باطلا.
قال محمد بن رشد: إنما لم يجز أن يقول الرجل للرجل: جذ نخلي هذه يوما أو يومين، ومتى شئت أن تخرج خرجت، ولك نصف ما علمت؛ لأن قوله: جذ نخلي هذه يوما أو يومين، ولك نصف ما جذذت إجارة فاسدة؛ لأنه استأجره يوما أو يومين بنصف ما يجذ في ذلك، وهو مجهول. ألا ترى أنه لو أراد أن يبيع ما يجذ يوما أو يومين لم يجز لأنه مجهول، وما لا يجوز بيعه لا يجوز الاستئجار به.
فإذا كانت الإجارة على هذا فاسدة، فلا يصلحها اشتراط الخروج متى شاء بنصف ما جذ؛ لأن ذلك خيار اشترطه لنفسه في الإجارة الفاسدة، والعقد الفاسد لا يصلحه اشتراط الخيار فيه، وهذا التعليل بين من قوله؛ لأنهما سميا يوما، ثم جعل له الخروج متى شاء، فكأن الأجر وقع على اليوم بعينه إلى آخر قوله، ولو قال له: إن جذذت في هذا اليوم، أو في هذين اليومين من نخلي هذه شيئا، فما جذذت منها فلك نصفه؛ لكان ذلك جائزا، والفرق بينهما أن هذا جعل له حكم الجعل، والأول إجارة له حكم الإجارة.
فإن قال قائل: إن هذه الإجارة إذا اشترط فيها الخيار على هذا الوجه عادت جعلا؛ لأنه في الوجهين جميعا لا يلزمه العمل، وإن عمل فله نصف ما عمل.
قيل له: إن استويا في هذا فيفترقان في وجه آخر، وهو أن الإجارة لا تنفسخ بتلف الشيء المستأجر عليه إلا على اختلاف، والجعل ينفسخ بتلف الشيء المجعول فيه باتفاق، فوجب ألا تعود الإجارة بشرط الخيار فيها جعلا، وأن تبقى إجارة على حالها. وإذا بقيت إجارة، وكانت فاسدة، فلا يصلحها الخيار. وقد كان من أدركنا من الشيوخ، ومن لم ندرك منهم فيما بلغنا عنهم، يحملون هذه المسألة على أن قول ابن القاسم فيها خلاف قوله في المدونة في الذي يقول للرجل: بع لي هذا الثوب اليوم، ولك درهم: إن ذلك جائز إذا اشترط أن يترك متى شاء، وليس ذلك بصحيح من قولهم؛ لأن استئجار الرجل الرجلَ يوما بدرهم على أن يبيع له فيه ثوبا جائز؛ لأن الأجر فيه معلوم، فإذا جازت الإجارة في ذلك جاز اشتراط الخيار فيها، بأن يترك متى شاء، ويكون له من الدراهم بحساب ما مضى من اليوم، إذا لم ينقد، وقد نص على جواز هذا في أول كتاب الجعل والإجارة من المدونة.
وأما المسألة التي نظرها بهذه، وهي أن يقول له: تقاض لي مالي الذي لي على فلان إلى شهر ولك نصفه، فما تقاضيت فبحسابه، فلا يجوز فيها مع تسمية الأجل إجارة ولا جعل، أو قال: إن قبضت لي في هذا الشهر شيئا من ديني الذي لي على فلان، فلك نصفه لم يجز؛ لأنه قد يتقاضاه ويشفي عليه، فينقضي الأجل قبل أن يقبض، فيذهب عناؤه باطلا، فيجوز أن يستأجر الرجل الرجلَ على حصاد زرعه بنصفه، وأن يشترط أن يتركه متى شاء، ويكون له نصف ما حصد، ولا يجوز أن يستأجره على حصاد يوم بنصف ما يحصد فيه، وإن اشترط أن يترك متى شاء، ويكون له نصف ما حصد.
ولا يجوز له أن يجاعله على حصاد زرعه بنصفه إلا أن يشترط أن يكون له إن ترك نصف ما حصد، وكذلك لا يجوز أن يجاعله على حصاد يوم بنصف ما يحصد فيه، إلا أن يشترط أن يكون له إن ترك نصف ما حصد، والمواجرة والمجاعلة على بيع الثوب بدرهم خلاف ذلك، لا يجوز أن يواجره على بيع الثوب بدرهم إلا أن يضرب لذلك أجلا، والمجاعلة عكس ذلك، لا يجوز أن يجاعله بدرهم على بيع الثوب إذا لم يضرب لذلك أجلا، فحمل ابن القاسم قول الرجل: بع لي هذا الثوب، ولك درهم على الجعل، فأجازه إذا لم يضرب أجلا، ولم يجزه إذا ضرب أجلا إلا أن يشترط متى شاء أن يتركه تركه، يريد ويكون له من الدرهم بحساب ما مضى من الأجل؛ لأنه إذا اشترط ذلك، فقد أفصحا بأنها إجارة صحيحة بخيار فجازت. وقد أجاز ذلك، وإن لم يشترط متى شاء أن يتركه تركه. وقال سحنون في المدونة: إنه جل قوله الذي يعتمد عليه. فالوجه في ذلك أنه حمل قوله: بع لي هذا الثوب اليوم، ولك درهم على الإجارة. وقد قيل في تأويل ذلك غير ما قول قد ذكرته في غير هذا الكتاب.
وقوله: إنه ليس لرب المال أن يمنع العامل العمل فيه، يقتضي ظاهره أن الجعل لازم للجاعل بالعقد، وإن لم يشرع المجعول له في العمل، وهو أحد قولي ابن حبيب في الواضحة، خلاف قول سحنون في سماعه، ورواية علي بن زياد، عن مالك فيه، ورواية أشهب عنه في سماعه، من تضمين الصناع من أن الجعل لا يلزم الجاعل حتى يشرع المجعول له في العمل.
وجه القول الأول أن الجاعل لما كان ما أخرج معلوما، ولم يجز أن يكون مجهولا لزمه، وأن المجعول له لما كان ما أخرج يجوز أن يكون مجهولا لم يلزمه، ألا ترى أن الإجارة لما كانت معلوما في معلوم لزمتهما جميعا، ولم يكن لواحد منهما الرجوع، ووجه القول الثاني: أن المجعول له لما كان لا يلزمه الجعل، وجب ألا يلزم الجاعل إلا أن يشرع المجعول له في العمل، فيلزمه؛ لئلا يبطل عليه ما مضى من عمله، وهذا القول أظهر، وبالله التوفيق.

.مسألة يكون له العبد الخياط أو النجار فيستأجره الرجل في غير عمله:

ولقد سئل مالك عن الرجل يكون له العبد الخياط أو النجار، فيستأجره الرجل في غير عمله، إما يستحمله شيئا، أو ينتقل لبناء أو غير ذلك من الأعمال، فيصاب فيه العبد، هل على من استأجره ضمان؟ قال: لا ضمان على من استأجره. وذلك أن الرجل قد يرسل عبده يعمل في البنيان، ويضرب عليه الخراج، فلا يجد العبد العمل، فيستأجره رجل في غير عمله، فلا أرى عليه ضمانا إن أصابه شيء في ذلك، إلا أن يستعمله في عمل مخوف فيه غرر ومخاطرة، فلا يفعل ذلك إلا بإذن سيده. قال ابن القاسم: أو يبعثه سفرا.
قال محمد بن رشد: قول ابن القاسم هذا: إنه لا ضمان على من استأجر العبد بغير إذن سيده في غير عمله، فعطب فيه، إلا أن يكون العمل الذي استعمله فيه مخوفا فيه غرر ومخاطرة، مثل قول ربيعة في المدونة، ومالك في رواية ابن وهب عنهما، خلاف قوله فيها وروايته عن مالك في أنه ضامن، إذا كان العمل يعطب في مثله، وإن لم يكن مخوفا ولا غررا.
وقوله في هذه الرواية على ما ذهب إليه ربيعة ومالك في رواية ابن وهب عنهما، أنه لا ضمان عليه، وإن كان العمل يعطب في مثله، ما لم يكن مخوفا وغررا هو الصحيح في النظر؛ لأنه لم يتعد على سيد العبد في استئجاره عبده فيما زعم العبد أنه أذن له فيه، وإنما المتعدي عليه في ذلك عبده. فهو كمن استأجر عبدا من غاصب، وهو لا يعلم، فتلف فيما استأجره فيه. وإنما يضمن إذا استعمله عملا مخوفا فيه غرر؛ لأنه كأنه قصد إلى إتلافه، وذلك إذا كان العبد لا يعمل في مثل ذلك العمل، وأما إن كان يعمل مثل ذلك العمل، فلا ضمان عليه فيه؛ حكى ابن حبيب عن ربيعة أنه سمع رجلا، قال لسعيد بن المسيب: استأجر معاوية بن عبد الله بن جعفر غلاما، فأنزله في بئر له، فأسر الغلام فيها فمات، فخاصمه سيد الغلام إلى عمر بن عبد العزيز، فقال له سعيد: فماذا قضى به عمر؟ قال: أغرمه إياه. قال سعيد: فهل كان يعمل مثل ذلك العمل؟ قال: لا لم يكن يعمله. قال سعيد: فقد أصاب عمر. وقد كان يشبه ألا يضمن، وإن كان لا يعمل مثل ذلك إذا لم يعلم ذلك من حاله، وقال له العبد: إني أعمل مثل هذا العمل، وسيدي أذن لي في إيجار نفسي فيه فصدقه؛ لأن له في ذلك شبهة.
ووجه قول ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة أنه ضامن له إذا عطب فيما يعطب في مثله من الأعمال، وإن لم يكن عملا مخوفا هو أنه أخطأ على سيده في استعماله فيما لم يأذن فيه من الأعمال، وأموال الناس تضمن بالعمد والخطأ، وفارق ذلك من استأجر عبدا من غاصب أو اشتراه منه فتلف في عمله، أن السيد ليس له على من يرجع إذا أجر العبد نفسه؛ إذ لا يضمن العبد لسيده، وله في الغصب على من يرجع على الغاصب، وكان يلزم على قياس هذا أن يضمن، ولو كان العمل لا يعطب في مثله؛ لأنه وضع عليه يده خطأ في موضع ليس فيه من يضمن لسيده، فوجب أن يضمن؛ لأن من تعدى أو أخطأ يضمن بمجرد النقل دون الاستعمال، إلا أن يقال: إن هذا القدر من النقل، يمكن أن يتصرف فيه العبد لو لم يواجر، فصار المستأجر له كأنه ما نقله من موضع إلى موضع، وإنما استعمله في موضعه، فوجب ألا يضمن إلا أن يكون عملا يعطب في مثله، وسواء على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة استأجره أو استعمله، لا يضمن إلا أن يكون العمل يعطب في مثله خلاف قول ربيعة فيها: إنه يضمن إذا استعانه في أمر تنبغي فيه الإجارة، وإن كان قد أذن له في الإجارة، وهو أظهر؛ لأنه وإن كان قد أذن له في الإجارة، فلم يؤذن له في هبة منافعه، وقد اختلف فيمن استأجر عبدا، وهو يظنه حرا، ودفع إليه إجارته فاستحقه سيده، وقد أتلف الإجارة، فحكى عبد الحق عن بعض شيوخه القرويين أنه لا رجوع له بالإجارة على المستأجر، إذا كان العبد ظاهر الحرية؛ لأنه لم يتعد في الدفع إليه، وقال ذلك غيره إذا طالت إقامة العبد بالبلد، واستفاضت حريته، قال: وإن لم تطل إقامته، فليغرم المستأجر الأجرة ثانية، وخالف ذلك غيره، وقال: إنه يغرم الأجرة ثانية على كل حال؛ لأن العبد بائع لسلعة مولاه وهي خدمته، وهو غير ما دون له بذلك، فلا يبرأ من دفع إليه؛ لأنه دفع لغير مستحق.
قال محمد بن رشد: يريد إذا كانت الأجرة مساوية لقيمة العمل.
وأما إن كانت أقل أو أكثر، فليأخذ منه القيمة. قال عبد الحق: وهو عندي أقيس، والأول أشبه بمذهبه في المدونة، قياسا على من مات فأنفذت وصاياه، وبيعت تركته، ثم استحقت رقبته، وقد كان معروفا بالحرية أو غير معروف.
قال محمد بن رشد: وهو كما قال عبد الحق: القياس أن يغرم المستأجر الأجرة ثانية لسيد العبد؛ لأن منافع العبد الذي بذل له العوض فيها قد استهلكها، وانتفع بها، فوجب أن يغرم قيمتها لسيده قياسا على قولهم فيمن اشترى طعاما فأكله، أو ثوبا فاستهلكه، ثم استحق أن سيده مخير بين أن يضمن المبتاع قيمة ذلك لاستهلاكه إياه، وبين أن يجيز البيع، فيأخذ الثمن من البائع. وقد قال في كتاب الغصب من المدونة فيمن استأجر ثوبا فاستعمله، ثم استحق أن للمستحق أن يضمنه ما نقصه استعماله وله، على قياس ما ذكرناه، أن يأخذ منه قيمة الاستعمال، وبالله التوفيق.

.مسألة انقطع إلى رجل فأقام معه مدة يقوم في حوائجه ثم مات فطلب المنقطع أجرا:

ومن كتاب أوله جاع فباع امرأته:
وكتب إليه صاحب الشرطة، يسأله عن رجل انقطع إلى رجل، فأقام معه ثلاثة أشهر يقوم في حوائجه، ثم مات المنقطع إليه وقام المنقطع يطلب أجر ما أقام معه، وله بينة على عدد الشهور، فكتب إليه إن كان يرى أن مثله إنما ينقطع إليه، رجاء أن يثيبه في قيامه ونظره، فأحلفه ما أتى به بشيء، ثم أعطه أجرة مثله في أمانته وقيامه وجرأته، فإن الناس قد يكونون في الأمانة سواء، وبعضهم أجرأ من بعض، وأكفأ وأحسن نظرا، فأعطه بعد أن يحلف أجر مثله في حاله.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قال: إن له أن يرجع عليه بإجارة مثله بعد يمينه أنه ما أتى به على شيء من تصرفه له، يريد ويزيد في يمينه ما كان قيامه معه، وتصرفه له احتسابا، إلا ليرجع عليه بحقه إن لم يثبه على ذلك، يبين هذا قوله في أول مسألة من سماع يحيى بعد هذا، ونحو هذا في رسم طلق، من سماع ابن القاسم، من كتاب الرهون، وبالله التوفيق.

.مسألة الوصيفة تكون للرجل وأبوها حر فيتركها السيد عند أبيها حتى تكبر ثم يريد أخذها:

من سماع يحيى بن يحيى من ابن القاسم من كتاب الصبرة قال يحيى: وسألته عن الوصيفة تكون للرجل وأبوها حر فيتركها السيد عند أبيها حتى تكبر، ثم يريد أخذها فيطلب أبوها السيد بما أنفق عليها، أيكون ذلك له؟ قال: أرى أن يحلف بالله ما كان إنفاقه عليها احتسابا، ولا أراد وضع ذلك عن السيد، ثم يعدى به عليه. قلت: فإذا كان له أن يأخذ السيد بما أنفق عليها، أيكون للسيد أن يأخذ الأب بأجرة مثلها؟ قال: لا أرى ذلك على الأب.
قال محمد بن رشد: قوله: أرى أن يحلف بالله ما كان إنفاقه عليها احتسابا، ولا أراد وضع ذلك عن السيد، يبين اليمين في مسألة رسم جاع قبل هذا. وقوله: إنه لا أجرة لسيدها على أبيها، معناه إذا لم يستعملها لنفسه في مثل الغزل والصناعة، وإنما كان ينتفع بها في تصرفها له في حوائجه في البيت الذي لو لم تتصرف له فيها، لم يحتج إلى الاستئجار عليها، وهو استحسان.
والقياس أنه إذا رجع على سيدها بالنفقة رجع سيدها عليه بقيمة انتفاعه بها؛ لأن من حقه أن يقول: إنما تركتها له ينتفع بها ليكفيني مئونة نفقتها كالمخدمة التي تكون نفقتها على المخدم، فإذا قال: ذلك حلف على هذا، ورجع عليه بقيمة انتفاعه بها، وأما إذا استعملها لنفسه في مثل الغزل والصناعة، فلا إشكال في أن له الرجوع عليه بالأجرة في ذلك، يبين ذلك ما وقع في سماع زونان، من كتاب الرهون، وبالله التوفيق.

.مسألة يستأجره في حصاد الزرع فيقول له احصد هذا الزرع كله على أن لك نصفه:

ومن كتاب أوله يشتري البذور والمزارع:
وقال ابن القاسم في الرجل يستأجر أجيرا في حصاد الزرع فيقول له: احصد هذا الزرع كله على أن لك نصفه، فيحصده أو بعضه، ثم تصيبه نار فتحرقه، أو بعض ما يتلفه: إن ضمانه منهما جميعا. وعلى الأجير إن كان لم يحصده كله أن يستعمله رب الزرع في حصاد مثل ما كان بقي منه؛ لأن الإجارة قد كانت ثبتت عليه في حصاد نصف الزرع بنصفه.
قال: وإن قال له: احصد منه ما شئت، فما حصدت فلك نصفه، فيحصد بعضه، ثم هلك الزرع، فضمان ما حصد منهما، وضمان ما بقي من صاحبه، ولا يتبع واحد منهما صاحبه بشيء؛ لأنه لم تجب عليه إجارة في شيء بعينه، وإنما كان له أن يحصد ما شاء، ويترك ما شاء.
قال: وإن قال له: احصده كله، وادرسه كله، وصفه كله، ولك نصفه، فيحصده أو بعضه، ثم هلك الزرع، فضمانه كله من صاحبه، وللأجير أجرة مثله فيما عمل؛ لأن الإجارة كانت فاسدة. ولا يصلح لرجل أن يستأجر أجيرا في شيء من الأعمال بنصف ما يخرج من زرعه بعد أن يصفيه؛ لأن ذلك بيع لا يحل.
قال محمد بن رشد: أما إجازته الاستئجار على حصاد الزرع بعد يبسه بنصفه أو بجزء منه معلوم، فمثله في المدونة ولا اختلاف فيه. وقوله: إن مصيبته منهما جميعا إن تلف بنار أو غيره مما يتلف به الفدان بعد أن يحصد بعضه، يريد أو قبل أن يحصد شيء منه صحيح؛ لأن نصفه يجب للأجير بعقد الإجارة، ويحصلان فيه شريكين.
وأما قوله: وعلى الأجير إن كان لم يحصده كله أن يستعمله رب الزرع في حصاد مثل ما كان بقي منه؛ لأن الإجارة قد كانت ثبتت عليه في حصاد نصفه بنصفه، فهو خلاف المشهور في المذهب، من أن الإجارة تفسخ بتلف الشيء المستأجر على عمله بعينه حسبما مضى في رسم المحرم، من سماع ابن القاسم، ورسم العتق من سماع عيسى. والواجب في هذه المسألة على المشهور في المذهب من أن الإجارة تنفسخ بتلف الشيء المستأجر عليه بعينه إذا تلف الزرع أن يكون على الأجير قيمة نصفه، أو قيمة نصف ما بقي منه إن كان تلفه بعد حصاد بعضه؛ لأنه يدخل في ضمانه بعقد الإجارة، فإذا تلف جميعه وجب أن يرد قيمة نصفه كما لو اشترى نصفه بعرض فتلف جميعه بعد الشراء، ثم استحق العرض.
وأما قوله: إنه إن استأجره على حصاده ودرسه وتصفية نصفه، فهي إجارة فاسدة، فهو مثل قوله في المدونة، خلاف ما مضى في أول رسم من سماع أشهب. وقد مضى القول على ذلك هناك مستوفى، فلا معنى لإعادته.
وإذا كانت الإجارة فاسدة، فالضمان من البائع ما لم يحصد؛ لأن الفساد فيه لا في الثمن، ولو كان الفساد في الثمن لدخل بالعقد في ضمان المبتاع، على ما مضى في آخر سماع سحنون، من كتاب جامع البيوع. هذا هو المشهور في المذهب.
وقد قيل: إن البيع الفاسد ضمانه من البائع، وإن قبضه المبتاع، وهو قول ابن القاسم في سماع أبي زيد، من جامع البيوع، فقوله في هذه الرواية: إن الزرع إذا هلك بعد أن يحصده أو يحصد بعضه، فضمانه كله من صاحبه، وللأجير أجرته فيما عمل؛ لأن الإجارة كانت فاسدة، إنما يأتي على رواية أبي زيد هذه الشاذة في المذهب. والذي يأتي في هذه المسألة على المشهور فيه من دخول المبيع في البيع الفاسد، في ضمان المشتري بالقبض، أن يكون على الأجير نصف قيمة ما هلك من الزرع بعد حصاده، ويكون له نصف أجرة مثله في حصاده، وإن كان أخذ منه شيئا كان عليه نصف مكيلته، أو نصف قيمته إن لم تعرف مكيلته، وكذلك وقع لابن القاسم في الدمياطية، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول للرجل: قم لي بطلب شفعتي ولك إن استحققتها نصف سهمي:

ومن كتاب أوله أول عبد أبتاعه فهو حر:
قال: وسألته عن الرجل يقول للرجل: قم لي بطلب شفعتي ولك إن استحققتها نصف سهمي، ونصف ما تأخذ لي بالشفعة في قيامك لي. قال: لا يصلح الجعل في الخصومة، وذلك أنه لا يعرف للفراغ منها قدر، فأنا أحب لمن استأجر رجلا يطلب حقا له بالخصومة أن يقطع لذلك أجرة وزمانا ينتهي إليه قيامه بطلب ذلك الحق، وإلا لم يصلح ما يتجاعلان عليه.
قال: وأما الذي سألت عنه في صاحب الشفعة فهو مكروه؛ لأن الجعل في الخصومة إن كان حلالا لم يجز له أن يجعل جعله ما لا يملك بعد، والجعل من باب الإجارة، والإجارة بيع، ولا يجوز لأحد أن يبيع ما لا يملك، وما ليس في يديه ألا ترى أن طالب الشفعة وإن كانت ثابتة فهو لا يبيعها قبل أن يحكم له بها؛ لأن ضمانها من الذي هي في يديه، فمن استأجر بها رجلا فهو كمن باعها؛ لأنه قد باعها لأجير بعمله وقيامه بالذي تعاملا به غير جائز من غير وجه واحد.
قال محمد بن رشد: أما الجعل في الخصومة على إن أفلح فله جعل مثله، وإن لم يفلح فلا شيء له، فإن اختلاف قول مالك في جواز ذلك، واقع في آخر كتاب الجعل والإجارة من المدونة، وقد اختلف في ذلك أيضا قول ابن القاسم: روى يحيى عنه في أول رسم من سماع يحيى، من كتاب البضائع والوكالات إجازة ذلك، خلاف قوله في هذه الرواية، وفي سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات.
والأظهر إجازة ذلك؛ لأن الجعل على المجهول جائز، وإنما كرها ذلك في أحد قوليهما إذا كثر الجهل فيه استحسانا، وأما إذا قل وكان الشيء الذي يخاصم فيه شيئا معروف القدر، خفيف الخطب، وجه الشخوص فيه لا يكاد يختلف فهو جائز، كذلك قال ابن القاسم في سماع يحيى من كتاب الصدقات والهبات.
وقوله: فأنا أحب لمن استأجر رجلا على طلب حق له بالخصومة أن يقطع لذلك أجرة وزمانا ينتهي إليه قيامه بذلك الحق، صحيح على ما قال، لابد في الإجارة على ذلك من ضرب الأجل، كالذي يستأجر الرجل على بيع الثوب، لابد فيه من ضرب الأجل، فإذا بلغه استوجب أجرته ظفر أو لم يظفر، قاله مالك في كتاب ابن المواز، وهو صحيح على معنى ما في المدونة. قال ابن القاسم: ثم ليس له تركه حتى يستخرجه. وقال أصبغ: يجوز وإن لم يضرب أجلا إذا كان لذلك وقت قد عرفه الناس، كالإجارة على بيع السلعة، والأجل على كل حال أحسن.
وأما قوله: ولو كان الجعل في الخصومة حلالا لم يجز له أن يجعل جعله ما لا يملك ففيه نظر؛ لأنه إنما لم يجز للرجل أن يبيع ما لا يملك أو يستأجر به؛ لأنه إذا فعل ذلك فقد باعه أو استأجر به على أن يتخلصه للمبتاع أو للأجير من ربه، وذلك غرر بين؛ إذ لا يدري بما يتخلصه به، ولعله لا يقدر على أن يتخلصه، فيرد إلى المبتاع ماله إن كان قد نقده، فيكون مرة بيعا ومرة سلفا؛ والجعل لا ينقد فيه، ولا يستحق إلا بتمام العمل.
وإذا تم العمل في هذه المسألة تقرر الملك في الجعل للجاعل، ووجب للمجعول له. فلما كان لا يجب الجعل على الجاعل إلا بعد تقرر الملك له فيه، وجب أن يجوز لعدم التخليص الذي هو العلة في أنه لا يجوز للرجل بيع ما لا يملك، ولقد أجاز في رسم المكاتب، من سماع يحيى، من كتاب جامع البيوع أن يبيع ما لم يملك بعد إذا كان قد أعطى صاحبه فيه ثمنا وقارب أن يشتريه منه، فكيف بهذا؟! وبالله التوفيق.